علي بن محمد البغدادي الماوردي

44

النكت والعيون تفسير الماوردى

خضراء ، واليابسات هي الجدب لأنّ الأرض فيه يابسة ، كما أن ماشية الخصب سمان ، وماشية الجدب عجاف . لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ أي لكي أرجع إلى الناس وهو الملك وقومه ، ويحتمل أن يريد الملك وحده فعبر عنه بالناس تعظيما له . لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ لأنه طمع أن يعلموا وأشفق أن لا يعلموا ، فلذلك قال لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ يعني تأويلها . ولم يكن ذلك منه شكا في علم يوسف . لأنه قد وقر في نفسه علمه وصدقه ، ولكن تخوف أحد أمرين إما أن تكون الرؤيا كاذبة ، وإما ألّا يصدقوا تأويلها لكراهتهم له فيتأخر الأمر إلى وقت العيان . قوله عزّ وجل : قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فيه وجهان : أحدهما : يعني تباعا متوالية . الثاني : يعني العادة المألوفة في الزراعة . فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ يعني فيخرج من سنبله لأن ما في السنبل مدخر لا يؤكل ، وهذا القول منه أمر ، والأول خبر ، ويجوز لكونه نبيا أن يأمر بالمصالح ، ويجوز أن يكون القول الأول أيضا أمرا وإن كان الأظهر منه أنه خبر . قوله عزّ وجل : ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يعني المجدبات لشدتها على أهلها . وحكى زيد بن أسلّم عن أبيه أن يوسف كان يصنع طعام اثنين فيقربه إلى رجل فيأكل نصفه ويدع نصفه ، حتى إذا كان يوما قربه له فأكله كله ، فقال يوسف : هذا أول يوم السبع الشداد . يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ يعني تأكلون فيهن ما ادخرتموه لهن . إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ فيه وجهان : أحدهما : مما تدخرون ، قاله قتادة . الثاني : مما تخزنون في الحصون . ويحتمل وجها ثالثا : إلا قليلا مما تبذرون لأن في استبقاء البذر تحصين الأقوات .